ملتقى اصدقاء السماوة

أهلاً وسهلاً بك زائرنا الكريم نتمنى لك وقت ممتع ونتمنى منك الأنضمام الى أسرة موقع ((ملتقى أصدقاء السماوة)) تحياتي المدير العام للموقع ((علي العذاري))

ملتقى أصدقاء السماوة Forum Friends Samawah


    الثقــافــة والتــربيـــة الأســــريــة....!!

    شاطر
    avatar
    علي العذاري
    Admin

    عدد المساهمات : 1046
    تاريخ التسجيل : 06/12/2010
    العمر : 27
    الموقع : جمهورية العراق - محافظة المثنى

    الثقــافــة والتــربيـــة الأســــريــة....!!

    مُساهمة من طرف علي العذاري في الخميس ديسمبر 09, 2010 5:33 am

    الثقافة والتربية الأسرية

    * د. محمّد عبدالهادي
    الأسرة وحدة إجتماعية تنتميإلى طبقة إجتماعية ليست ذات طبيعة واحدة وتتوجه بنسق ثقافي يتقارب معالثقافة العامة ولكن لا يفقد خاصيته. مما يغلب على الثقافة الأسرية أنّالطفل يلعب به ولا يلاعب، فهو أداة تسلية.. إنّ هذا الكائن الطفل لا يستمدقيمته من ذاته، بل من مقدار النفع المادي أو المعنوي الذي يحمله لأهله،ومنذ البداية يوضع تحت التصرف والتدجين، وكثيراً ما ينتظر الآباء منأبنائهم تحقيق آمال الآباء المحبطة، التي لم يستطيعوا هم تحقيقها،ويحاولون تنشئة أطفالهم على صورتهم من حيث السلوك والمهنة وغير ذلك، وقدلا تتطابق الصورة التي ينتظرونها من أبنائهم مع الصورة الفعلية للأبناء،وفي هذه الحالة قد يكون الإرهاب التربوي هو السبيل لإجبار هذه الكينونةالبشرية على أن تنقلب بصورة مصطنعة غير سوية.
    وإنّ سلطة الأهل يمكن أن تأخذشكلين أساسيين: سلطة قهرية وسلطة عقلية، حيث تقوم السلطة القهرية على مبدأالطاعة، بينما تقوم السلطة العقلية على مبدأ التفاهم. وغني عن البيان أنّالسلطة – أياً كانت – يصاحبها – في غالب الأحيان – عنف. وانّ العنف الذييمارس في الأسرة يأخذ أبعاداً إجتماعية تتجاوز حدود ما هو قائم أو سائد فيالأسرة عينها فـ"الأسرة لا تلبي إحتياجات الكبار في المحافظة على سلطتهمفحسب ولكنها تلبي أيضاً إحتياجات أرباب المؤسسات الإجتماعية الأخرى". وعلىهذا الأساس تتم عملية إعادة إنتاج القهر والتسلّط والعبودية في المجتمعبصورة واضحة. وانّ التنشئة تسعى إلى أن تخلق الطاعة والأدب عند الطفل.والأساليب التي يلجأ إليها الأهل غالباً هي العقاب البدني ثمّ خلق المخاوفعند الطفل عن طريق كائنات خرافية. والتسلّط يأخذ طابع العنف بأشكالهالمختلفة الرمزية والنفسية والمادية، ويتأسس على حواجز نفسية وتربويةكبيرة تقوم بين أطراف العملية التربوية في الأسرة والمدرسة؛ حيث لا يسمحللأطفال في المدرسة أو الأسرة بإبداء آرائهم أو توجيه إنتقاداتهم. ويمكنالتمييز في هذا السياق بين مجموعتين من العقوبات التي يتأسس عليها التسلّطالتربوي، وهما:
    - أساليب القمع النفسي مثل: الإزدراء، الإحتقار، الامتهان، السخرية، التهكم، التبخيس، أحكام الدونية، التخويف والحرمان.
    - أساليب العقاب البدنيوالفيزيائي مثل: الضرب بأشكاله المختلفة وبأدواته المتنوعة، الحرمان،السجن والمنع، فالعلاقات القائمة في بيئة التسلّط هي علاقات قوامهاالتباين بين أطراف هذه العلاقة، بين الكبير والصغير، بين القوي والضعيف،بين السيد والمسود، بين الغالب والمغلوب، بين الآمر والمأمور، وذلك كلهدون وجود حدود وسطى لطبيعة التطرف في هذه العلاقات القائمة بين أفرادالأسرة. وغالباً ما تعتمد العقوبات النفسية التي يكون أثرها أكثر خطراً منأثر العقوبات الجسدية في التأثير في شخصية الطفل وهدمها. ومن الأساليبالنفسية المعتمدة في تربية التسلّط أساليب التحقير، الازدراء والتوبيخ،فبعض الآباء والأُمّهات يبحثون عن أخطاء الطفل ويبدون ملاحظات نقديةهدّامة لسلوكه، مما يفقد الطفل ثقته بنفسه، ويجعله متردداً في أي عمل يقدمعليه خوفاً من حرمانه من رضا الكبار وحبهم. ويعامل بعض الآباء أطفالهمبروح القسوة والتعسف ظناً منهم أنّ هذه القسوة تصلح من شأنهم وحالهم، وهملا يعرفون بأنّ ذلك يفقد الطفل تدريجياً أهم مقومات تكامله النفسي ونموهالإنفعالي والعقلي.
    وغالباً ما ينتمي الآباءالمتسلّطون إلى بيئة تربوية متسلّطة وإلى أسر متسلّطة تمارس العنفوالإكراه في العملية التربوية. ولذلك فإنّ هذه الممارسات تنبع وتتدفقعفوياً من دواخلهم. فالخبرات التربوية القاسية التي عاشها الآباء فيطفولتهم تشكل منطلق الممارسات التربوية الجلفاء في مرحلة الرشد، الرجولةوالكهولة. وغالباً ما يكون الأطفال والأبناء وأحياناً الزوجات ضحايا تلكالممارسات التربوية القاسية لهؤلاء الآباء (الإنفجارات العصبية التي تأخذمسار التفريغ السيكولوجي) وفي هذا المجال تشير دراسات متعددة إلى أنّالآباء الذي يعانون إضطرابات نفسية هم غالباً هؤلاء الذين يمارسون الطغيانوالإستبداد وتنسحب هذه الحالة على وضعية الأُمّهات المطلقات اللواتييستخدمن السلطة لتعزيز إحساسهنّ بالوجود، فهنّ عاطفيات إلى حد التملك، حيثيرفضن أن يمنحن أطفالهنّ أي إستقلال، أو يمنعهم من المشاركة في أي مبادرةمهما يكن أمرها.
    وتنطلق التربية المتسلطة هذهمن خلفيات ثقافية تتمثل في مبادئ تربوية؛ أبوية المنشأ، تقليدية الإتجاهومنها "أنّ الطفل الصغير صفحة بيضاء، وانّ التعليم في الصغر كالنقش علىالحجر، وانّ الطفل راشد صغير له ما للكبير من قدرات وبخاصة على المستوىالأخلاقي، وانّ الطفل ينطوي على نزعة شريرة يجب أن تستأصل بالعقابوالإكراه، وذلك كله يبرر إستخدام العقاب ضده في كل شاردة وواردة".
    بإختصار، تفتقر الأجواءالتربوية التسلطية إلى العلاقات الإنسانية الدافئة، وتوجد بين أفراد هذهالأسر حواجز نفسية وإجتماعية وأخلاقية تدفع الطفل إلى مزيد من أحاسيسالبؤس والشقاء والعدمية.
    وإنّ الأطفال ضحايا العنفالتربوي، لا يمثلون نموذجاً واحداً، وذلك لأنّ النتائج النفسية للعنفمرهونة بالوضعية والشروط التي يوجد فيها العنف نفسه.
    وفي هذا المجال يؤكد فيلو(Filloux) على أهمية السلطة والحرِّية والتجربة الإنفعالية للفرد في تكوينالشخصية الفردية (تأثير الأسرة، الأقرباء والأصدقاء أيضاً).
    ومن غير أدنى شك أنّ التسلطالتربوي ينمي في الشخصية قيم البغضاء، الضغينة، التسلطن التصلب، الجمود،الكراهية، القلق، الخجل، الإضطراب، الإثم، مركب النقص، فقدان القدرة علىالتكيف، الإتكالية وروح الإنهزام. وعلى المستوى المعرفي لا يمكن لهذهالتربية أن تنمي في الإنسان القدرة على الإبداع وحب التحصيل أو الميل إلىتأكيد الذات وحضورها. ويمكن أسلوب التسلط في أصل العقد والأمراض النفسية.
    كما أنّ تربية الإكراهوالتسلّط تؤدي إلى عملية هدم في الشخصية، وإلى حالة أزمة متواصلة ومستمرةتفقد فيها الشخصية مشاعر الإحساس بالأمن والإنتماء والثقة إلخ...
    وأخيراً نقول أنّ السلطة،مهما تكن ضرورتها أو شرعيتها، تغري مَن يمتلكها بممارسة التعسف والعنف،وهو إغراء يتملّك ممارسها، وأنّ العنف هو بالضرورة حصاد هذه الغواية وذاكالإغراء... وهذا ينسحب على التسلّط التربوي بالطبع، الذي يقوم على مفهومأو على مبدأ الإلزام والإكراه والإفراط في إستخدام السلطة الأبوية، ويقومعلى مبدأ العلاقات العامودية، العلاقات بين السيد والمسود، بين الكبيروالصغير، بين القوي والضعيف، بين التابع والمتبوع، ويمارس العنف هنابأشكاله النفسية والفيزيائية ويقوم على أساس:
    1- التباين في القوة بين الأب والأُم.
    2- اللجوء إلى العنف بأشكاله.
    3- المجافاة الإنفعالية والعاطفية بين الآباء والأبناء.
    4- وجود حواجز نفسية وتربوية بين الآباء والأبناء.
    ويتم اللجوء هنا إلى أساليبالقمع والإزدراء والإحتقار والتهكم والامتهان والتبخيس، وأحكام الدونيةوالحرمان والعقاب الجسدي، وهناك غياب كامل لعلاقات الحب والحنان والتساندوالتعاطف.
    لكن هل تعد كل ممارسة لسلطة المربي تسلّطاً؟
    وهل يقع التسلّط التربوي في دائرة التناقض القائم بين المطالب النمائية للطفل وإستراتيجية التربية وفقاً لتصورات المربي الإجتماعية؟
    ثمّ هل كل تأثير سلبي في سلوك الطفل تسلّطاً، أم أنّ هذا التأثير يجب أن يصل إلى شدّة معينة كي يصبح إرهاباً وتسلّطاً؟
    نجيب هنا بأنّ التسلّط عمليةتستهدف غاية وتتعلق بنوع التقنيات المستخدمة في ضبط السلوك (سلوك الضحية):كالعقاب، الحرمان، التعزيزي إلخ... حتى التعزيز هو نوع من التسلّط، التعسفأو العنف.
    كما مؤكد على دور الأسرة،لاسيّما الأسرة المثقفة، إذ يتوجب عليها مراقبة الأطفال والأولاد بهدفإكتشاف ميولهم وتنمية قدراتهم كما يجب أن تؤمن لهم جواً ملائماً من الأمنالإجتماعي... لاسيما في مرحلة الطفولة الأولى (من الولادة وحتى 3 إلى 5سنوات) والتي يسميها علماء النفس بالشخصية الأساسية، هذه المرحلة هي منإختصاص الأسرة حتى ولو دخل الطفل إلى المدرسة وحتى ولو وضع في حاضناتالأطفال (الحضانة أو رياض الأطفال)؛ فالأسرة تظل مسؤولة عنه، ليس فقط لجهةتأمين الحاجات الغذائية، بل لتأمين جو صالح لنموه السليم. وفيما بعد تخفمسؤولية الأسرة وتنتقل إلى مؤسسة أخرى هي المدرسة، كما يقول علماء النفس،لا تعدّل في السلوك كثيراً بل تبقى شخصية الطفل ذات طابع أولي.
    إذاً، أنّ السنوات الأولى هيالسنوات التكوينية للطفل. في هذه الفترة العمرية تتفتح المشاعر الطبيعيةومسؤولية العائلة أن تؤمن الحنان، الدفء والأمان لأطفالها إلى جانب الغذاءوالمسكن والحياة الهانئة. وهي تمدهم بعاداتها وتفيدهم بخبراتها.
    ولاشكّ في أنّ الطفل/ الولديتعرض لمواقف ومؤثرات تساهم في تكوين شخصيته، وان جانباً كبيراً من عمليةالتعليم والتربة والتعلّم (التنشئة) يتمثل في تأمين الحاجات الإنسانيةبأساليب معينة. ولكي تنمّي الأسرة الضمير الإنساني والأخلاقي لأبنائها،فلابدّ أن تزرع في شخصياتهم جملة أمور هامة تتمثل في:
    - الإيمان بالمثل العليا: كالحقيقة، الجمال الخير إلخ...
    - إحترام الطبيعة وما خلق الله عليها من إنسان، نبات وجماد.
    - إحترام الغير، وهذا يتم تعليمه من خلال إحترامنا لأنفسنا ولغيرنا.
    - الإنفتاح الذي يحقق جانباً من جوانب التوازن في شخصية الطفل – الإنسان عن طريق تنمية عواطفه وإنفعالاته في مجالات واسعة.
    - قبول التعاون مع الأطفال الآخرين وتباين حاجة الطفل إلى الغير.
    - دفع الطفل للقيام بنشاطاتجماعية (أعمال كشفية، رحلات، حفلات، زيارات إلخ...) وإشعاره بمدى أهميةالجماعة وتماسكها، مما ينعكس إيجاباً على عملية انخراطه في المجتمع.وهكذا، فإن مسؤولية الأسرة كبيرة جدّاً، لأنّ الصورة التي سيكون عليهاالإنسان متوقفة إلى حد بعيد على الصور التي سجلها الطفل لوالديه كل علىحدة، وفي الوقت نفسه لباقي أفراد الأسرة.
    من هنا ضرورة التيقظ عندالأهل والجهوزية الدائمة لتقديم صور بمواصفات حميدة، قويمة السلوك، متزنةالإنفعالات، نقية الضمير، لكي يحفرها الطفل في ذاكرته الخاصة. لأنّ دورالأسرة – كمؤسسة إجتماعية – هو أن تعيد إنتاج جزء من ثقافة المجتمع عبرنقلها لقيم المجتمع الثقافية، عاداته، تقاليده ومفاهيمه.
    - لكن أيّة أسرة؟
    بالطبع، الأسرة المثقفة. فلقدأدرك المربون والباحثون – على حد سواء – أنّ الأولاد الوافدين من بعضالبيوت يتعلمون في المدرسة أفضل من أقرانهم الوافدين من بيوت أخرى في نفسالمجتمع... فالتلاميذ الذين ينمون في أسر تتميز بمستوى ثقافي عالٍ يختلفونعن أقرانهم الوافدين من أوساط ثقافية متوسطة، ومن هنا فإن هؤلاء التلاميذعندما يأتون إلى المدرسة يكونوا متأثرين بثقافة أسرهم ونظرتها للحياة،الأمر الذي يساعدهم على القيام بواجباتهم المدرسية خير قيام.
    وهكذا فإنّ الناقل الأوّلللثقافة هو العائلة، فهي التي تطبع الأطفال بطابع الأنماط الثقافيةالسائدة وترسم لهم مقاييس الحياة الإجتماعية.. ولأنّ الأطفال يذهبون إلىالمدرسة حاملين بذور الفضائل والعيوب أيضاً التي تخلقوا بها في بيوتهموبيئتهم... فهذا ولد متزن، هادئ، ذكي، شديد الثقة بالنفس، مرن وقابلللتكيّف وذلك مضطرب، قلق خائف، نفور أو منطوٍ على نفسه، أو غبي أو مهمل...وهذا ولد يعيش في جو بيتي صالح، منحه المحبة المتزن وعلّمه الثقة بالنفس،وزوّده بالخبرة اللازمة وحَرصَ على صحته الجسدية والنفسية، وعلى إستقرارهالعاطفي، وعلى سلامة نطقه وكلامه وجعله قادراً على التكيّف الإجتماعي،وذلك ولد يعيش في جوّ عائلي مشحون بالبغضاء والمشاجرة، أو في بيت هجرهأوبه أو أُمّه، أو في بيت تُرِكَ فيه أمر تربيته للخدم، أو في بيئة أغرقتهفي سيل من العطف والدلال، وإلى ما هنالك من أجواء غير صالحة تجعل عملالمدرسة صعباً ما لم يساندها الأهل على تنمية ما هو صالح في أبنائهم،وإصلاح ما هو فاسد، وتقويم نجاحهم أو فشلهم، أو تأخرهم أو مدى تكيّفهم.
    وهكذا فالعائلة تتحملالمسؤولية الأساسية في تكوين الشخصية، السلوكية الإنسانية عبر التربيةالإجتماعية، الأخلاقية والمدنية التي تمنحها لأبنائها، أما كيفية قيامالأسرة بمهامها فهي عبر التعليم.
    وهذا ما يفرض تعلّم الأسرةأوّلاً... كما المطلوب منها أن تقرّب من أبنائها مفهوم النظام الإجتماعيووظيفته في الحياة وهذه أمور تكتسب مع الوقت تدرجاً مع النمو العقلي للولدوتطوّر حاسته الإجتماعية.
    وفي الأسرة يتلقى الطفلكثيراً من الخبرات والمهارات الأساسية، فيمتصها عن طريق التقليدوالمحاكاة... والطفل في نهاية المطاف – هو الذي يدفع ثمن فشل أو نجاحالعمل التربوي (الأسري أو المدرسي)... أضف إلى ذلك أنّ للسلوك الإجتماعي،الذي يتحرف في إطاره الطفل، مؤثرات بالغة على نموه؛ وهذه المؤثرات تلتحمإلتحاماً شديداً مع مؤثرات المدرسة لتستوي مع كل هذا عمليات بناء الشخصية.
    - ويبقى أن نسأل عن دور المرأة أو دور الأُم في الأسرة؟
    فالأُم مدرسة... هكذا قالوا.وهذا هو الواقع... وهي بذلك تحمل مسؤولة كبيرة في التنشئة فربّما تحملثلاثة أرباع هذه المسؤولة أو أكثر.. فالأُم هي المعلّم الأوّل، لذا يجب أنتتمتع بقدر مهم من العلم والثقافة كي توجه الأبناء نحو الفضيلة.. فبالعلموالثقافة تمكن المرأة أو الأُم من إدارة مؤسستها "مملكتها الصغيرة" وتنشئةأولادها تنشئة سليمة...
    وبما أنّ الأُم هي الركنالأساسي الذي يساعد في بناء الأسرة السعيدة والناجحة. وهكذا فإن أي خلل فيمستواها الثقافي أو في وضعها الصحي، أو في علاقاتها مع زوجها وأولادها منشأنّه أن يعرّض الأسرة للتفكك والدمار، وهذا ما أكدته نتائج بعض الدراساتالتي أظهرت إرتباطات إيجابية بين مستوى التعليم (تعليم الأُم) ومدى تنظيمأسرتها ووعيها ومسؤوليتها إتّجاه الأبناء، وبين نجاح الأبناء وإستمرارهمفي دراستهم؛ مما يظهر بالتالي في إنتاجية المجتمع.
    هذا من جهة، أمّا من جهة أخرىفلقد أثبتت بعض الدراسات على أن هناك علاقة وثيقة بين التحصيل الدراسيوبين مستوى تعليم الأهل (وهذه العلاقات إيجابية جدّاً فنسبة الأميين بينأُمّهات وآباء المتأخرين دراسياً هي نسبة مرتفعة، وقد شملت هذه الدراساتالجنسين معاً في الريف والمدينة).
    ومما لاشكّ فيه، أنّ الأبناء يتأثروا بجميع أحوال الأسرة الإجتماعية، الثقافية، الإقتصادية والسياسية أيضاً...
    ولقد تبين من مئات الدراساتوالأبحاث أن أسلوب الآباء في معاملة أطفالهم يترتب عليه نتائج عميقةوباقية الأثر... ولقد أكدّت هذه الدراسات على أنّ الطفل الذي أنعم اللهعليه بوالدين ذكيين عاطفياً يستفيد فائدة عظيمة، لأن أسلوب تبادل المشاعرفيما بينهما، بالإضافة إلى تعاملها المباشر مع الطفل، يمنحان أطفالهماالأذكياء دروساً عميقة إعتماداً على توافقهم مع عمليات التبادل العاطفيةفي الأسرة.
    وقد ثبت أن أسوأ الأساليب العاطفية الأبوية الشائعة هي:
    * تجاهل المشاعر تماماً. (ينظر الآباء إلى قلق أطفالهم على انّه شيء تافه وممل).
    * أسلوب دعه وشأنه. (يقدّم الآباء لأبنائهم الرشوة كمغريات بهدف المساعدة على التخلص من الحزن والغضب).
    * أسلوب احتقار مشاعر الطفلوعدم إحترامها. (يعمد الآباء إلى منع الطفل في إظهار غضبه، ويعاقبونه إذاما ظهرت منه أقل علامة من التأثر، فيصرخون قائلين: "اسكت تماماً، لا تردّعليّ...").
    * انتهاز توتر الطفلواضطرابه. (أي عدم التفكير في مشاعر الطفل بجدية كافية، ومحاولة فهم مايزعجه بالتحديد إضافة إلى التخفيف من مشاعره المتوترة.
    ولكي يكون الآباء سنداً فاعلاً لأطفالهم، ينبغي عليهم أنفسهم أن يكونوا متمكنين من مبادئ الذكاء العاطفي المتمثل في:
    - تنظيم المجموعات.
    - الحلول التفاوضية.
    - العلاقات الشخصية.
    - التحليل الإجتماعي.
    وهذه المبادئ يعبّر عنها بمسائل علائقية هامة تتمثل في:
    - تناغم الآباء مع مشاعر أطفالهم.
    - تمييز المشاعر المختلفة بنفاذ بصيرة وحنكة.
    - التعبير عن المشاعر بصدق.
    - القدرة على التعاطف.
    وكل هذا يرتبط حتماً بالنضج –كونه محطة بالغة الخطورة في حياة الإنسان. وإذا كنّا قد أكّدنا على دورالأُم وتأثيرها في حياة الطفل، فهذا لا يلغي الدور الذي يمارسه الأب رغمأنّه ضئيلاً ولا يمكنه أن يكون بديلاً للعناية الأمومية في المرحلة الأولىمن حياة الطفل، ومع ذلك ليس موضوعياً تحديد السن الذي يجب أن تبدأ فيعناية الأب وإهتمامه بتربية الطفل، ولا يمكن أبداً رسم حدود فاصلة بيندوري الأُم والأب.. فكلاهما يمارسان تأثيراً نوعياً مختلفاً ومستمراً فيحياة الطفل، ويتباين تأثير كل منهما مع النمو العمري للطفل... فالأب يمتلكالسلطة من وجهة نظر الطفل، والأُم تمتلك الحب الذي تقدِّمه له... ونحننعتقد أنّ السلطة والحب لا يتعارضان بل يتكاملان ويترابطان، وهما يشكلانالركيزتين الأساسيتين لعملية نمو الطفل، ولاسيّما في المستوى العاطفي..لكنّه، وفي بعض الأحيان، يكون هناك إفراط في حب الأطفال من قبل الأُمّهات.فيصبح الحب في هذه الحالة، إمتلاكياً لا تضحوياً، يؤدي إلى إعاقة نموالطفل العاطفي.
    لهذا السبب، يجب أن يكون هناكتوازن بين أدوار الأبوين في الأسرة. وإذا كان الآباء يتولون فعلياً الدورالمركزي في العملية التربوية، ولكنهم غالباً ما يناشدون الآخرين مساعدتهم،وذلك بصورة متقطعه وأحياناً دورية أو حتى بصورة دائمة في بعض الحالات...والطفل قادر على التمييز بين مختلف الأدوار القائمة، حيث يعلن عن تمردهوعن احتجاجه وذلك عندما يريد الأخ الأكبر (أو الأخت) تربية الطفل، ويتزايدهذا الدور مع تزايد عمل الأُم خارج المنزل.. ومن الملاحظ أنّ الأجدادغالباً ما يميلون إلى سلوك التسامح والمحبة مع أحفادهم، وهذا الأمر يعزىفي غالب الأحيان إلى كبر السن الذي يصقل الطباع عند الإنسان.
    بيد أننا نؤكد مرّة أخرى علىأهمية النضج الوالدي في العملية التربوية وتحقيق التوازن في الأدوارالأسرية. والسلطة التربوية غالباً ما تعاني من عيوب النقص أو الإفراط فيالإستخدام، وهذه الظاهرة – سلطة الإفراط والتفريط – ليست جديدة، بل هيقديمة قدم الزمان. ويلاحظ اليوم أن ضعف السلطة يكاد يسود بالقياس إلىالإفراط في إستخدامها في أغلب المجتمعات (بإستثناء التربية العربية) وينبعهذا الضعف في السلطة الأسرية من ضعف تماسك الأسرة، الذي يقوم على أساسغياب الأبوين، وعملهما خارج المنزل.
    والتساهل الذي يصدر عنالوالدين يدفع الطفل إلى الهروب من المنزل... وإنّ الوصول إلى إلغاءالسلطة العائلية يؤدي في نهاية المطاف إلى إلغاء السلطات الإجتماعية.
    وفي النهاية يمكن القول بأنضعف السلطة وغيابها يكافئان من حيث المبدأ حضور التسلط والإفراط في السلطةمن حيث النتائج النفسية – الإجتماعية والتربوية التي يمكن أن تترتب علىذلك.
    ونحن نعتقد أنّ التربية الحقةهي التي تقود الطفل – الإنسان إلى الحرِّية والثقافة والإبداع.. هي تربيةالمعرفة عن طريق تربية العقل، مع الحفاظ على خصوصيتنا الثقافية لكن دونالتقوقع والتحجر عندها، على العكس يجب أن تأخذ التربية طريقها إلى معالمالنهضة، الحرِّية، وثبة العقل وانفتاح الفكر سواء كان ذلك على مستوى مؤسسةالأسرة أم المدرسة، المعهد والجامعة إلخ... كل ذلك بهدف إحياء النزعةالعقلية عند الناشئة والمتعلمين وصولاً إلى بناء الإنسان الحر القادر علىتمثل المعرفة وإنتاجها بصورة إبداعية.
    وإذا كانت المعرفة البشريةبطبيعتها متحولة.. تاريخ.. إنها حياة ذات تاريخ وطبيعة تفاعلية تحوليةدائماً وأبداً. هي التجربة الإنسانية القائمة على الفعل/ الفكر، وعلىالتفاعل الذي هو جوهر روح المعاشرة الإجتماعية وجذر نشأة الثقافة.
    فالثقافة منتج إجتماعي لتكييف فرص ومناخ الفعل والتفاعل الإجتماعيين. ويتم تجسيدها عبر سلوك... هكذا يكون وجودها حيّ.
    - لكن كيف يتم التعبير عن ذلك؟
    إنّ مصير الأُمم في عصرالمعلومات – عصرنا هذا – رهن بإبداع أبنائها، لذا فتنمية الإبداع والخيال،لها نصيبها الوافر في تربية عصر المعلومات، ومرّة أخرى، توفر تكنولوجياالمعلومات وسائل عدة لتحقيق هذه الغاية، نذكر منها على سبيل المثال:
    1- اتباع أساليب التعلّم بالإكتشاف، ومن خلال التجربة والخطأ.
    2- التعلُّم من الآخرين من خلال الحوار والمشاركة عن بعد عبر الإنترنيت.
    3- إستخدام حضانات المعرفة، مما يتيح المجال الكي يمارس الفرد – كل فرد – بأن يمارس دور المكتشف، المخترع والمبدع.
    وهذا يتطلب قبل كل شيء تربية أهل التربية كي يقوموا بدورهم على أكمل وجه...
    ونحن نتكلّم عن تربيةالإبداع، فلابدّ من تضافر جميع الجهود لتحقيق ذلك (الجهود التربوية،الإجتماعية، الإعلامية، الإقتصادية، السياسية إلخ...).
    فكيف يمكن أن ينمو الإبداع ولدينا – نسبة فقر كبيرة وهذا يعيق عملية المعرفة ومتابعتها؟
    ثمّ كيف يمكن أن ينمو الإبداع في مدارسنا ومؤسساتنا التربوية، في ظل مجتمع إستهلاكي لا يعرف إلاّ الإستهلاك؟
    وفي ظل حشو تعليمي (عقول كاملة الإمتلاء!!! ولكنها ليست حسنة الإعداد؟!!!).
    وكيف يمكن للأسرة إكتشاف مواهب صغارها في مرحلة مبكرة، والحرص عليها، وزيادة مناعتها، ضد آفة التقي السلبي في منظومتنا التربوية؟.
    وهل يمكن لنا أن نحدّد أي نوع من الإبداع نريده لفئاتنا الإجتماعية المختلفة؟.
    هذه التساؤلات لا تجد طريقهاإلى الحلّ في الأمد القريب – في بلادنا – إلاّ إذ خطت العملية التربويةخطوة ثورية متمثلة في إعادة النظر بالأهداف التربوية المتوخاة والمطلوبةلإنسان الألف الثالث. فالتربية هي ساحة إلتقاء النفسي، الإجتماعي،السياسي، الإقتصادي إلخ... وعلاقتها بالمجتمع بمنزلة متغير تابع للفلسفةالتربوية التي تسير على هداها... إذاً هل يتوجب تغيير فلسفتنا التربوية أمنكتفي بتغيير النظرة إلى التربية (الأهداف). نحن نعتقد انّه بتغييرالأهداف نحقق ما نتوخاه. وفي ظل هذا العصر المتزايد السرعة (تكنولوجياالمعلومات) تتهاوى أسوار المؤسسات التربوية التي تفصل التربية عن مجتمعهاوصولاً إلى أن يصبح المجتمع – بأسره – هو المدرسة القصوى، لتتلاشى الحدودالفاصلة بين التربية والتنمية، ويصبح العالم هو الصف المدرسي "مُكَبّراً"،والصف المدرسي هو العالم "مصغراً".
    وهكذا وفي ظل المتغيّر المعلوماتي، لم يعد إنعزال تربيتنا عن واقع مجتمعنا أمراً مقبولاً يمكن التجاوز عنه.
    أخيراً، إنّ مقاربة موضوعالثقافة يتطلب معرفة نظرية وخبرة عملية وهذا ينسحب على موضوع الثقافةالأسرية التي تعتبر مصدر لكل ثقافة، ومقاربتنا لهذا الموضوع هي محاولةالربط بين الثقافة من جهة والإنسان والمجتمع من جهة أخرى؛ على إعتبار أنّالأسرة تتوجه بنسق ثقافي يتقارب مع الثقافة العامة لكن لا يفقد خصوصيته.سيما وأن أمامنا تحديات علمية وتكنولوجية فحسب، بل تحديات إجتماعيةوثقافية أيضاً، في هذا العصر، الذي يتطلب منّا تعميق معرفتنا بـ: حواسنا،ذواتنا، بغيرنا وبعالمنا. إضافة إلى تنمية قدراتنا الذهنية.
    وهذا يتطلب منّا تنشئة(بصفتها تعني العمل للمستقبل)؛ والوقفة "المستقبلية" تلائم التربية كلملائمة. فنحن مع الطفل/ الإنسان بصفته كائناً فاعلاً ذا مقاصد، مع المعرفةبصفتها مساهم إنسانية ومع الكيفية التي تفسر بها معرفتنا حول العالم، وحولبعضنا البعضز وهذا تأكيد، من جيد، على دور الأسرة الثقافي.
    وفي النهاية، لا بديل لأولوية الثقافة، التي أصبحت منظومتها تشمل التنمية بأسرها كعنصر ضمن عناصرها الأخرى.
    المصدر: كتاب إجتماعيات التربية


      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين يوليو 23, 2018 6:51 am